وهبة الزحيلي

18

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم التّبتّل على ابن مظعون « 1 » ، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحلّه اللّه لعباده ، وأن الفضل والبرّ إنما هو في فعل ما ندب عباده إليه ، وعمل به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وسنّه لأمته ، واتّبعه على منهاجه الأئمة الراشدون ، إذ كان خير الهدي هدي نبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا كان كذلك تبيّن خطأ من آثر لباس الشعر والصّوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حلّه ، وآثر أكل الخشن من الطّعام ، وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء . وتأكّد مفهوم أوّل الآية بآخرها : وَلا تَعْتَدُوا فقد تضمن ذلك النّهي عن أمرين : أي لا تشددوا فتحرموا حلالا ، ولا تترخّصوا فتحلّوا حراما ، كما قال الحسن البصري . وقال الإمام مالك : من حرّم على نفسه طعاما أو شرابا أو أمة له ، أو شيئا مما أحلّ اللّه ، فلا شيء عليه ، ولا كفارة في شيء من ذلك . وقال أبو حنيفة : إنّ من حرّم شيئا صار محرّما عليه ، وإذا تناوله لزمته الكفارة . قال القرطبي : وهذا بعيد والآية تردّ عليه . وقال الشافعي وسعيد بن جبير : لغو اليمين تحريم الحلال . وقوله تعالى : وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً يشتمل التّمتّع بالأكل والشرب واللّباس والرّكوب ونحو ذلك . وخصّ الأكل بالذّكر ؛ لأنّه أعظم المقصود وأخصّ الانتفاعات بالإنسان . أمّا التّمتّع بالكماليات والتّرفه بالفاكهة ونحوها ، فرأى بعضهم صرف النفس عنها ، حتى لا يصير أسير شهواتها ، ومنقادا بانقيادها ، ورأى آخرون : أن تمكين النفس من لذاتها أولى لما فيه من ارتياحها

--> ( 1 ) أخرج البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل ، فنهاه النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا .